يوم فى ذاكرتى - تباريح العشق والوجع

تباريح العشق والوجع

الموقع الشخصى للكاتب والأديب الليبى : صالح سعد يونس

test banner

إعلان فوق المشاركات

ضع إعلان متجاوب هنا
يوم فى ذاكرتى

يوم فى ذاكرتى

شارك المقالة

 

إتجهت بصحبة شقيقى إلى المدرسة .. كان الجو صافياً هادئاً .. تسرح الشمس شعرها على مرآة البحر النقية .. ثم تنشر جدائلها الشقراء على كتف الأفق المبتسم .. ويبعث البحر بنسيمٍ معطرٍ يضمِّخ الوجود.

كان النسيم يعبث بشعرى وأنا متجهٌ بخطواتٍ سريعةٍ متتابعةٍ .. لكن الغريب هو ما لحظناه طوال الطريق إلى المدرسة إذ لم نصادف أحداً من زملائنا .. والمنازل بدت وكأنها قد هجرت ..!..



المدرسة كذلك كانت مغلقةً .. ظنناها عطلةً فعدنا أدراجنا فرحين بيومٍ طويلٍ من اللعب.

طفقنا نطوف على المنازل التى تأكد لنا أنها فرغت تماماً من قاطنيها .. لقد غادر الجميع القرية .. لم يبق بها سوى عائلتنا وأسرة ذلك الشيخ ..(( العم مختار )).

كان الشيخ جالساً أمام بيته زارعاً مذياعه الصغير فى أذنه والدمع يترقرق فى عينيه .. سأله أخى عما يجرى فقال بصوتٍ متكسرٍ:

 - إنها غارة.

 - غارة..!.. ما معنى ذلك ..؟.

 - لا شىء.. هيا اذهبا إلى البيت.

سرحت أحلل كلمات العم مختار غير أن إدراكى لم يكن ليصل إلى القصد .. سألته فى تطفلٍ:

 - ولماذا رحل الناس ..؟!.

 - لأنهم خائفون يا ولدى .. ربما تعود الطائرات ثانيةً وقد تصل إلى هنا .. هيا ارحلا مع أهلكما إلى الجبال.

 - أية طائرات ..؟!..........

 - ................................

بدأ الخوف يتسرب إلى فؤاد شقيقى فقطب وجهه .. هممنا بالذهاب .. خطر ببالى أن أفاجىء الشيخ بسؤالٍ آخر:

-      حسنٌ إذا جاءتنا الطائرات ماذا نفعل..؟.

ابتسم والدموع تفيض من مقلتيه .. أجاب :

-      إنبطحوا أرضاً.

أدار وجهه ليخفى الدمع المنزلق على خديه:

 - لماذا تبكى يا عم مختار ..؟.. هل أنت خائف ..؟!.

 - أبكى خوفاً على ولدى وأسرته .. قلقاً على الأبرياء الذين يقيمون هناك ولا نعلم من منهم قد مات ومـ..............(( مسح دموعه .. أردف )) .. هيا اذهبا الآن .. ارحلا إلى الجبال.

هممت بالعودة بيد أن سؤالاً آخر تزحلق إلى ذهنى:

-      ألا تريد أن ترحل يا عم مختار ..؟.. ستأتيك الطائرات.

ارتسمت فوق شفتيه ابتسامةٌ شاحبةٌ .. أومأ فى إجابةٍ مختصرةٍ:

-      سأنتظر ولدى[1].

البيضاء – ليبيا

1997



[1] نشرت بصحيفة الشلال – العدد 462 – 1998

نشرت بصحيفة الزحف الأخضر – العدد 2592 – 1999

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(( ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد ))

إعلان اسفل المشاركات

ضع إعلان متجاوب هنا

كن على أتصال

أكثر من 600,000+ متابع على مواقع التواصل الإجتماعي كن على إطلاع دائم معهم

أحدث الاخبار

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *