(1)
كان شيخاً فى الثالثة والستين من عمره .. نظيف
البشرة ولحيته البيضاء تزيده وقاراً .. يلتحف بجردٍ أبيض وتقبض يمناه على عكازٍ
مزخرفٍ جميلٍ.
صعد إلى الحافلة قاصداً مدينة طرابلس لزيارة أخيه
والإطمئنان على صحته وأحوال أسرته .. انطلقت العربة الطويلة تلطم الريح وتشق
الزحام وهى تتجه إلى الطريق المؤدى إلى العاصمة .. فيما كان الشيخ شارد الذهن إذ
كان فى شوقٍ عظيمٍ لشقيقه وعائلته.
(2)
مرت الحافلة بإحدى البوابات فاستوقفها رجال الأمن
.. صعد أحدهم .. رمق الركاب بنظرةٍ فاحصةٍ قبل أن يطلب منهم إخراج هوياتهم .. صار
يتفقد تلك البطاقات حتى وصل إلى المقعد الأخير حيث يجلس الشيخ.
استغرق الأخير وقتاً وهو يخرج محفظةً أتخمت
بالأوراق والبطاقات .. أخذ يبحث عن إثباته الشخصى بين كومة الأوراق تلك .. لكنه مد
للجندى خطأً بطاقة تطوعٍ بكتيبة المجاهدين.
قرأ الرجل الهوية .. رمق الشيخ بنظرةٍ طويلةٍ ..
ابتعد خطوةً .. رفع يده مؤدياً التحية العسكرية.. مد له البطاقة ثم استدار بحركةٍ
متقنة الخفة ونزل.
(3)
صار المسافرون يسترقون إلى الشيخ النظرات .. سائق المركبة وزميله أمسيا يترددان
عليه طوال الطريق يعرضان الخدمات..!.
نظر عبر النافذة .. تذكر ألاَّ أحد كان يعيره
اهتماماً .. فقط هى تحيةٌ من جندىٍ صغيرٍ لمجاهدٍ كبيرٍ لكنها غيرت أموراً كثيرةً
.. على الأقل من حيث الظاهر..!.
وصلت الرحلة أخيراً إلى منتهاها .. توقفت الحافلة
.. نزل الشيخ .. ناداه السائق :
-
إلى
أين تذهب يا حاج ..؟.. هل أوصلك ..؟.
ابتسم .. أجاب بعد لحظاتٍ باستغرابٍ :
-
شكراً
لك .. مكانى قريب[1].
البيضاء –
ليبيا
1998

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
(( ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد ))